بقلم: عفاف القبلاوي ونعمة الله التابعي
ارتباك داخل المشهد السياسي الليبي بعد تداول تسريبات حول محاور المبادرة الأمريكية لحل الأزمة الليبية، أو ما يعرف بـ “مبادرة بولس”؛ وسط تساؤلات حول مدى جدية هذا الطرح وفعاليته في إحداث اختراق حقيقي لحالة الجمود السياسي والانقسام المؤسسي في ليبيا، وما قد ينتج عنه من إعادة تشكيل للسلطة عبر تقاسم “نفوذ عائلي”، والتخلي عن خيار الانتخابات الذي وعدت به خارطة الطريق الأممية.
وتقوم مبادرة “بولس” على بناء تفاهمات بين سلطتي الأمر الواقع في الشرق والغرب، من خلال تولي نائب “القيادة العامة” صدام حفتر، رئاسة مجلس رئاسي جديد بدلاً من محمد المنفي، مع إبقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.
وقالت كبيرة المحللين في مجموعة الأزمات الدولية، كلوديا غازيني، إن المبادرة السياسية التي تدعمها الولايات المتحدة، مثيرة للجدل ولا ترى كيف يمكن أن تُطبّق، مضيفة “أنه حسب فهمنا، تسعى أمريكا إلى الترويج لاتفاق يقضي بتولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، وعبد الحميد الدبيبة أو إبراهيم الدبيبة منصب رئيس الوزراء، إلا أن هذا الاتفاق لا يحظى بتأييد في طرابلس ومصراتة، وهو إشكالي من جوانب عديدة”.
وأكدت “غازيني”، في تصريحات خاصة لوكالة “ريبورتاج”، أنه من غير المرجح أن تقود هذه القيادة الجديدة المقترحة البلاد إلى انتخابات، بل ستعزز السلطة في أيدي هذين الرجلين في المستقبل المنظور، لافتة إلى أن هذا الاقتراح لا يأخذ في الاعتبار حقيقة أن العديد من الجماعات، وخاصة في غرب ليبيا، لا تزال تعارض فكرة مكافأة حفتر بأعلى منصب سياسي في البلاد.
وأوضحت في تصريحاتها، أن المبادرة الأمريكية تتشكل من ثلاثة عناصر: عسكريا، واقتصاديا، وسياسيا، معتبرة أن العنصر العسكري، والذي شمل التدريب العسكري المشترك بين بعض القوات من شرق ليبيا وغربها، أمر جيد ولا يوجد فيه ما يثير الجدل، أما يتعلق بالجانب الاقتصادي، فإن الاتفاق على ميزانية موحدة جيد من حيث المبدأ، لكن المشكلة تكمن في افتقارنا للتفاصيل، إذ لم يكشف أي من الطرفين أو الوسطاء الأمريكيين عن تفاصيل ما تم الاتفاق عليه.
وتواجه المبادرة تعثرًا في مناطق نفوذ “الدبيبة” بالمنطقة الغربية، خاصة مع إعلان مفتي طرابلس، الصادق الغرياني، والذي يعد من أبرز داعميه، رفضه وكل من ينتمي لفبراير لما أسماه “صفقة بولس”، مؤكدًا على أن تصريحات رئيس الحكومة الرافضة له يجب أن يقترن القول بالعمل.
بدورها، قالت المتخصصة في الملف الليبي بإذاعة فرنسا الدولية، هدى إبراهيم، إن المقاربة الأمريكية لحل مشاكل المنطقة وخصوصًا في أفريقيا، تقوم على المزج بين المصالح الشخصية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب والعائلة المحيطة به والمقربين وبين السياسة، مؤكدة أنه يحاول تطبيق هذا النهج في ليبيا، بتقديم مصلحة أمريكا أولًا خاصة في المجال النفطي، دون اهتمام بالتوصل إلى حلول للقضايا المعقدة التي تعاني منها البلاد.
وأوضحت “إبراهيم”، في تصريحات خاصة لـ”ريبورتاج”، أن المشكلة في ليبيا تكمن في أن الطبقة السياسية الحاكمة بلغت درجة كبيرة من الفساد وتغليب مصالحها الشخصية، ولديها رغبة في البقاء في السلطة تجعلها مستعدة للتضحية بمصالح البلاد في سبيل ذلك؛ مضيفة: “وجدناه في الماضي، ويمكن أن يتجدد اليوم مع الرغبة الأمريكية بأن تكون حاضرة مجددا في ليبيا، سواء عسكريا أو اقتصاديًا”.
وتابعت في تصريحاتها، أنه لم نر أي موقف أوروبي تجاه المبادرة، ولم يعد السؤال يُطرح بأن أوروبا ستسمح أو لا تسمح، مؤكدة أن أوروبا تخضع اليوم مع تهديدات “ترامب” بالضرائب، وخنقها في قضية أوكرانيا، في مقابل أن تفعل أمريكا ما تشاء في باقي أنحاء العالم، لافتة إلى أن أوروبا تكاد تكون غير موجودة، وفرنسا صوتها غير مسموع على الساحة الدولية.
فيما يرى مراقبون ان مبادرة “بولس” تلقى معارضة واسعة رغم أن هناك من يسوق لها بأنها تأتي في إطار الجهود السياسية في ليبيا لكسر حالة الجمود، ولكن اصطدامها بتشابك المصالح الدولية والمحلية التي تخشى أي تسوية قد تخرجها من دائرة النفوذ، وتعرقل أي تسوية طويلة الأمد، كما يخشى أن تنقل العملية السياسية إلى ترتيبات الأمر الواقع بعيدًا عن التوافق والمشاركة بين الأطراف السياسية الأخرى وبالتالي أمل الشعب في الانتخابات يصبح حلم بعيد المنال.
بدوره، أكد إبراهيم قرادة، المستشار السابق بالأمم المتحدة ومدير المعهد الدولي للبحوث والدراسات الليبية، أنه في حال اعتماد “مبادرة بولس” وتمريرها في ظل الظروف الداخلية والإقليمية والدولية الراهنة، فقد تؤدي إلى نتائج عكسية تزيد من تأزم الوضع الليبي وسوئه؛ مشدداً على ضرورة أن تنفتح المبادرة على الأطراف الليبية الفاعلة، بما في ذلك بعض القوى المهمشة المؤثرة؛ لضمان تحقيق التوافق والقبول.
وأشار “قرادة”، في تصريحات خاصة لـ”ريبورتاج”، إلى أن القضية لا تكمن في إطلاق المبادرة أو الإعلان عنها، بل في آليات تنفيذها في ظل حالة الانقسام الراهنة؛ لافتاً إلى أن المبادرة لا تزال في مرحلة “التسريب الإعلامي”، وأنه بمجرد طرحها رسمياً على أرض الواقع، ستصطدم بالتناقضات والقوى المعارضة في الداخل، لا سيما في مناطق مثل مصراتة والزاوية والأمازيغ، فضلاً عن المواقف التي ستعلن عنها الأطراف الحاكمة حينها.
وذهبت تقارير دولية إلى وجود خلافات في شرق ليبيا، حول القبول بـ “المبادرة” وتأييدها من قبل نائب القيادة العامة الفريق صدام حفتر، في مقابل رفض شقيقيه رئيس الأركان خالد حفتر، ومدير صندوق التنمية وإعادة الإعمار، بلقاسم حفتر.
وقال “قرادة”في تصريحاته: “إن المبادرة تفتقر إلى الارتباط بالتوجهات الأمريكية عبر المؤسسات الرسمية، كوزارة الخارجية والبيت الأبيض والبنتاغون، التي لم تعلن عن موقفها حتى الآن”، مشيراً إلى أن هذا الغموض وغياب الشفافية يغذيان الشائعات والريبة، مما قد تترتب عليه تطورات تضر بوحدة ليبيا ومسارها نحو الانتخابات.
وأضاف أن اتفاقي “الصخيرات” و”جنيف” حظيا بتوافق دولي واسع، وهو ما لم يتحقق في مبادرة “بولس” حتى الآن؛ متسائلاً: “إذا ما أخذت المبادرة خطوة إلى الأمام وتجاوزت المعارضة الداخلية، فكيف ستتفاعل معها الأطراف الغربية الرئيسية المنخرطة في ليبيا بحكم الجوار الجغرافي، وملفات النفط والهجرة والجريمة المنظمة العابرة للحدود؟”، قائلاً: “لا أعتقد أن أي مبادرة، مهما كانت، سيُكتب لها المرور بسهولة”.
ولفت إلى تأثير الحرب (الإسرائيلية-الأمريكية) على إيران وتداعياتها على الإقليم، وما أفرزته من خارطة تحالفات جديدة، ومواقف دول الجوار الليبي، إضافة إلى التحركات في الجنوب التي لا يمكن فصلها عما يحدث من زعزعة للاستقرار في دول الساحل والصحراء، وانعكاسات هذا الوضع برمته على المشهد الليبي وعلى أي مشروع أو مبادرة يتم إطلاقها.









