بقلم: عفاف القبلاوي ونعمة الله التابعي
تواجه ليبيا أزمة حادة ترتبط بتدهور الأراضي الزراعية، وتعرُّض الغابات النادرة لعمليات تجريف وقطع جائرين بغرض البناء العشوائي والتوسع العمراني. وقد أدى ذلك إلى خسارة ملايين الأشجار وتراجع الغطاء النباتي بشكل ملحوظ، مما يعكس بوضوح تداعيات الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تعاني منه البلاد منذ عام 2011، وما صاحبه من انفلات أمني حدَّ من قدرة الأجهزة الرقابية على ممارسة سلطاتها في مواجهة الأزمة وتنفيذ القانون.
وقال الخبير الزراعي أحمد البوعيشي إن الحزام الأخضر المزروع حول العاصمة طرابلس للحد من التصحر يتآكل بشكل متسارع، وقد تحولت أجزاء شاسعة من هذا الطوق البيئي إلى مناطق خرسانية وعشوائيات. وأشار إلى قطع آلاف الأشجار من “السرو” و”البطوم” النادرتين، والمزروعتين منذ الاحتلال الإيطالي، وتحويلها إلى فحم طبيعي، إلى جانب جرفها لإقامة منازل واستراحات ترفيهية بشكل غير قانوني.
وأوضح “البوعيشي”، في تصريحات لـ”ريبورتاج”، أن الزحف العمراني والبناء العشوائي جاءا نتيجة غياب المخططات العمرانية للمدن الجديدة وعدم اعتمادها حتى الآن، وهو ما أدى إلى فقدان المدينة درعها الطبيعي، وزاد من حدة الغبار والرياح الصحراوية، وخفض نسبة الأراضي الصالحة للزراعة.
من جانبه، قال الناشط البيئي سعيد خليل إن هناك جهوداً من المتطوعين لغرس الأشجار، لكنها تصطدم بالإهمال الحكومي لظاهرة التعدي على الغطاء النباتي، مشيراً إلى أن أشهر الغابات في الخمس ومسلاتة والجبل الأخضر تحوي أشجاراً نادرة تعرضت للتجريف، ولافتاً إلى أن النائب العام أعلن توليه ملف التعديات على الأراضي الزراعية، لكن القانون لم يُفعَّل.
وأضاف “خليل”، في تصريحات خاصة لـ”ريبورتاج”، أن منطقة سيدي المصري كانت تحتوي على أشجار معمرة منذ الاحتلال الإيطالي، لكنها تعرضت للقطع الجائر لرصف الطرق، ولم يتم تعويض هذه الأشجار، وكذلك منطقتا العزيزية وطريق المطار تحول الغطاء النباتي فيهما إلى محلات تجارية وورش ومنتزهات.
وفي دراسة للمرصد العالمي للطبيعة، فقدت ليبيا نحو 390 هكتارا من الغطاء الشجري خلال الفترة الممتدة من عام 2001 إلى 2025، بما يعادل نحو 6% من مساحة الغطاء الشجري المسجلة عام 2000. في وقت توضح فيه الأمم المتحدة أن نحو 95% من مساحة ليبيا صحراوية أصلا، ويمثل التصحر أحد أبرز التهديدات البيئية، لما يترتب عليه من فقدان إضافي للأراضي الصالحة للزراعة ومخاطر على الأمن الغذائي.
وأوضحت “الدراسة” أن ليبيا فقدت خلال عام 2025 وحده نحو 36 هكتارا من الغابات الطبيعية، كما تشير البيانات إلى أن 51% من فقدان الغطاء الشجري المسجل بين 2001 و2025 وقع في مناطق كان العامل الغالب وراء الفقدان فيها مرتبطا بإزالة الغابات.
وجاء الجبل الأخضر في مقدمة المناطق المتضررة من إزالة الغطاء الشجري خلال السنوات الـ25 الماضية، وفقدت المنطقة نحو 65% من غطائها الشجري، بما يعادل 250 هكتارًا، وهو ما يمثل الجزء الأكبر من إجمالي المساحات الخضراء التي فقدتها ليبيا خلال الفترة نفسها، وجاءت منطقة المرج، في المرتبة الثانية، بعدما فقدت نحو 43 هكتارًا من مساحاتها الخضراء، بينما حلت مدينة درنة في المرتبة الثالثة.
وشهدت ليبيا في ستينات وسبعينات القرن الماضي، طفرة كبيرة على مستوى توسع الغابات والأحزمة الخضراء وخصوصاً طوق طرابلس، وعمل الجيش الليبي على زراعة ملايين الأشجار من الصنوبر والزيتون بالمنطقتين الشرقية والغربية؛ لحماية الغطاء النباتي، والتنوع البيولوجي، ودعم الاقتصاد المحلي، والحفاظ على الموارد الطبيعية التي تعتمد عليها الأجيال الحالية والقادمة.
وبحسب التلفزيون الألماني، في عهد نظام معمر القذافي، كانت ظاهرة قطع الأشجار في منطقة الجبل الأخضر هامشية بعض الشيء إذ كانت الشرطة الزراعية تراقب الوضع خاصة وأنها كانت مزودة بسيارات رباعية تساعدها على تطبيق القانون.
وأطلقت الدولة الليبية، في التسعينات، مشروع “اللود الزراعي” الذي يمتد على الطريق من الشريط الساحلي إلى واحات الجفرة، نُفذ منه حوالي مائة كيلومتر على جانبي الطريق من أبو نجيم باتجاه واحة ودان، بزراعة أكثر من 6 ملايين شجرة ، منها 350 ألف فسيلة نخيل فيما وصل عدد أشجار الزيتون به 800 ألف شجرة ، و11 ألف شجرة فواكه، بينما وصل عدد ما تمت زراعته من أشجار الغابات ومصدات الرياح إلى حوالي 5 ملايين شجرة، بعد أن كانت أرضاً جرداء لا توجد فيها أي مقومات للحياة.
تعرّض “المشروع” لانهيار كامل؛ إثر موت أعداد هائلة من أشجار الزيتون والنخيل المثمرة، وتحول مساحاته الخضراء إلى أراضٍ قاحلة. وجاء ذلك بعد أن شهد أعمال نهب وسلب وتخريب واسعة النطاق عقب عام 2011، طالت بنيته التحتية وشملت سرقة المضخات والكابلات الكهربائية الممتدة لمسافات طويلة.









